ابو القاسم عبد الكريم القشيري
16
لطائف الإشارات
البشارة من اللّه تعالى على قسمين : بشارة بواسطة الملك ، عند التوفى : « تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ » « 1 » . وبشارة بلا واسطة بقول الملك ، إذ يبشّرهم ربّهم برحمة منه ، وذلك عند الحساب . يبشرهم بلا واسطة بحسن التولّى ؛ فعاجل بشارتهم بنعمة اللّه ، وآجل بشارتهم برحمة اللّه ، وشتان ما هما ! ويقال البشارة بالنعمة والجنة لأصحاب الإحسان ، والبشارة بالرحمة لأرباب العصيان ، فأصحاب الإحسان صلح أمرهم للشهرة فأظهر أمرهم للملك حتى بشّروهم جهرا ، وأهل العصيان صلح حالهم للستر فتولّى بشارتهم - من غير واسطة - سرّا . ويقال إن كانت للمطيع بشارة بالاختصاص فإنّ للعاصي بشارة بالخلاص . وإن كان للمطيع بشارة بالدرجات فإن للعاصي بشارة بالنجاة . ويقال إنّ القلوب مجبولة على محبة من يبشّر بالخير ؛ فأراد الحقّ - سبحانه - أن تكون محبة العبد له - سبحانه - على الخصوص ؛ فتولّى بشارته بعزيز خطابه من غير واسطة ، فقال : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ » وفي معناه أنشدوا : لولا تمتّع مقلتى بلقائه * لوهبتها بشرى بقرب إيابه ويقال بشّر العاصي بالرحمة ، والمطيع بالرضوان ، ثم الكافة بالجنة ؛ فقدّم العاصي في الذكر ، وقدّم المطيع بالبرّ ، فالذّكر قوله وهو قديم والبرّ طوله وهو عميم . وقوله الذي لم يزل أعزّ من طوله الذي حصل . قدّم العصاة على المطيعين لأنّ ضعف الضعيف أولى بالرّفق من القوى . ويقال ( قدّم أمر العاصي بالرحمة حتى إذا كان يوم العرض وحضور الجمع لا يفتضح العاصي ) « 2 » . ويقال « يبشرهم ربّهم برحمته » يعرّفهم أنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من تلك الدرجات
--> ( 1 ) آية 30 سورة فصلت . ( 2 ) ما بين القوسين موجود في الهامش أثبتناه في موضعه من النص حسب العلامات المميزة ، ولنتأمل مقدار انفساح صدور الصوفية بالنسبة للعصاة ، وذلك نتيجة امتلاء قلوبهم بالأمل في المحبوب .